تحقيقات

سماح أسطورة الماء في حائل

حائل نت – سعود الرشود (حائل) تصوير: راشد الثويني : وانت في حائل لابد من توقف خيالك على بعض الشواهد القديمة المتغلغلة في نسيج هذه العروس الشمالية المتدثرة بشملة الوشائح الاجتماعية والمتسربلة ببقايا عطر لا يزال ينفث بوحه من ثنايا بيوت الطين، ومن الشواهد القديمة في حائل بئر سماح والتي يطلق عليها اسطورة الماء في حائل، عين روت ظمأ الأرض والناس والسنين وفاضت خيرا ونماء وعطاء. على مدى قرون مضت سالت خلالها قطرا سماويا عذبا نديا ولحنا بهيجا متناغما احتفاء بالقادمين من فجاج الارض والمودعين والمغادرين ومورداً أميما تواردت عليها دلاء الحجيج وتسابقت اليها الركائب واستقت منها قوافل المهاجرين الاولين والمسافرين والرحالة وقصدها العابرون من والى بيت الله الحرام وارتوت العروق من فيضها وابتلت منها حناجر المكبرين والمهللين عبر تاريخ الحج وطريقه ونمت حولها وفي محيطها حضارة مابين الجبلين وكان الناس هنا الى عهد قريب يعتقدون ان ماء العين انقى ماء في العالم ويفاخرون به كأحد ابرز معالم المدينة. فيما زرت بئر سماح كان كل شيء حولها في رحلة تأمل وسكون فلا ضجيج ولا حركة لدلاء الماء ووشوشته كان ثمة طيور خلوية تستكين على الجبال وبقايا الطين وهي تنشد سمفونية عشق قديم.
شاهد عصر
احتفظت عين سماح في حدقتها الرقراقة ذات صفاء بأرشيف هائل من صور الناس والفرسان والكرماء والفلاحين والبسطاء والغزاة والمجانين والوجوه المتعبة والسحن المتربة والوجوه العذبة الجميلة والسواعد الخشنة التي كانت تمتح الماء.. كل الحائليين وكل العابرين وكل من اطلوا برؤوسهم فيها رسمتهم ذاكرة الماء.. كل النساء المنتجات العاملات تراشقن بنميرها وتعطرن بنقائها وتراكضن حولها وجلجلت ضحكاتهن على ركيتها.. وقبل الشمس نزحن الماء من مشرعها وغادرنها يحملن على رؤوسهن.. (الحواة والمرواة وسر الحياة) وتوجهن لدورهن في مسيرة الماء اليومية.
سماح مسحت تعب السنين وعرق الرجال الكادحين وغسلت التراب والملح والطين عن وجوه واجساد البنائين والحرفيين والحطابين والمسافرين وكتمت في اعماقها اسرارا واحاديث وحكايات العاشقين واصغت للسامرين وسمحت بل رددت اهازيج الحصاد والزفاف والنواح وعرضات الحرب وصيحات المقاتلين وغناء الحدائين ونداءات الباعة الجائلين (فرقنا.. فرقنا) وعزفت لحن البناء وشكلت اللبن والطين..
التحولات الاجتماعية
كانت سماح قد اعطت اسمها في آخر عهودها المنتجة لواحدة من ابرزها حارات المدينة القديمة حارة شهدت التحولات التاريخية والتنموية في مدينة حائل وغدت مراحلها المتعددة مخاضات للتغيير الاجتماعي ناحية النمو الديموغرافي والبنى الاقتصادية وفيها كان المخاض التعليمي الابرز حين اسست اول مدرسة اهلية مدرسة سبيل الرشاد في العام1353هـ على يد الشيخ: سليمان السكيت وكذلك تأسست في الحي اول مدرسة حكومية وهي (المدرسة السعودية) في العام 1356هـ في الناحية الشرقية ثم المدرسة الثانية في المنطقة مدرسة (الملك عبدالعزيز) في العام 1369هـ ناحية الجنوب فالمتوسطة الثانية في العام 1388هـ بوسط الحي وفي محيطها انشئت وتنقلت اول مكتبة عامة في المنطقة الشمالية عموما وفي حائل تحديدا وكانت في منتصف (شارع العليا) ببيت السبهان ثم (شمال الدورية) في بيت النعيم.. وفي حين كانت الحارة في بواكيرها حارة للنخب الاجتماعية واصحاب السلطة والمال وحواشي القصور تحولت ذات مرحلة الى ان تستقطب الطبقات الكادحة ومحدودي الدخل والباعة لتصبح حيا شعبيا ارتبط لسنوات عديدة بالعمق الاقتصادي ومراكز للثقل التجاري للمنطقة او (الدواون تاون) وان كان من اللبن والطين فشكل الحي مع سوق الصناع وحي سميح وسوق الحرفية وسوق المشاهدة وسوق الماشية ومورد الماء (عين سماح) وفي فترة لاحقة مع (المحطة) وموقع التكاسي والسفريات والمقصب تكاملا اقتصاديا وبؤرة للنشاط والدورة التنموية.. وكانت سماح العين حينها لا زالت تحظى بالعناية والرعاية والاهتمام حتى بدأت مراحل نزع الملكيات او ما عرف حينها بـ (الهداد) و (التثمين) فتفرق المجتمعون وانتثرت المدينة من حولها وارتقت فوقها حتى بدأت معالمها بالاندثار وحل بديلا عنها (المشروع) فسقطت وقتذاك من ذاكرة التاريخ وضاقت عليها الجغرافيا.. ونسيها الانسان.
خارج الذاكرة
عين سماح جزء من تكويننا من وعينا من اجسادنا من ذاكرتنا لم تجف سواقيها في شراييننا لأننا شربناها وشربها آباؤنا وأمهاتنا حتى ارتوينا ورغم ذلك تنكرنا لها ذات جحود وآذيناها كثيرا وخلطنا نميرها بالصرف الصحي- ذات طفرة- واضحت موبوءة بكل عللنا وسوئنا وسوءاتنا مع انها لا زالت تمنح الحياة وتروي الاخضرار في قلب المدينة بسقيا حديقتها والحدائق المحيطة بها الا اننا ايضا لا زلنا نقصيها من ذاكرة الزمن والأجيال ونمحو بعدها (الزمكاني) بإسقاطها من اجندة الاثار والسياحة والتاريخ الشفوي والاجتماعي فلم تعد محسوبة على اي من الهيئات والقطاعات لاهيئة التطوير ولا هيئة السياحة ولا هيئة الاثار ولا وزارة الماء ولا وزارة الزراعة وصارت بعد سنين الطفرة موئلا للوافدين من كل الجنسيات وعينها التي طمست بالاسمنت والحديد من قبل الامانة غدت اثرا بعد عين ولتبقى الاسئلة مفتوحة هل نحن مغرمون بالنسيان والجحود والنكران!!؟.. ام ترانا مفتونون بتحطيم الرموز وطمس روح الفنان؟.. أم اننا أمة عذاباتها طغيان الماء؟.. أو أننا قلقون موهومون نتأول عش يومك ومتى نتخلص من عقدة الاستخدام لمرة واحدة؟.. ونتجاوز ازمة اللهاث وراء الورق؟!!.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق
إغلاق