المقالات

مع أنفع النصرين ، سيموت الأعداء غيظا !

لابد أن يُعلم بأن هذا الشهر الكريم كما هو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن ، هو أيضاً شهر النصر وعلو الحق ومعركة الفرقان ، فيه وقعت غزوة بدر الكبرى والتي كانت للحق وأهله نصراً عظيماً وعزة ، وللباطل وحزبه هزيمةً نكراء وذلة .. واليوم حديثي لكم في المقال الثاني من هذه السلسة عن النصر ومفهومه الجميل الآخر ، عن معناه العميق المستوحى من قول الله العظيم عن رسوله الكريم ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) فعندما طارده كفار قريش بغرض البطش به والنيل منه ، فرَّ منهم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم واختبأ في غار ثور برفقة صاحبه الوفي أبى بكر رضي الله عنه ، ولم يتمكن رجالات قريش وأوغادها من الوصول إليهما أو إلحاق الضرر بهما ، مع أنهم بذلوا في تتبع أثرهم أقصى ما لديهم من السعي الحثيث والتقصي الماكر الخبيث ، ولكنَّ الله أخزاهم ، فعادوا من حيث أتوا وهم يجرون أذيال الخيبة والندامة !
ومن هذه القصة العظيمة انتقل إلى زبدة المقال ولُبِّه مستعرضاً فيه الوجه الآخر للنصر ، والذي هو في واقع الحال وجهه الأنصع والأروع ! ولإيضاح هذا المعنى أقول : إن الشيخ ابن سعدي رحمه الله أثناء تفسيره للآية آنفة الذكر أشار إلى أن النصر على قسمين ، الأول : أن تظهر على العدو وتنال منه مرادك ، والثاني : أن يطمع فيك العدو ليؤذيك ويُسيء لك ، فيدفعه الله عنك ولا يُمكِّنه أبداً منك ، ثم قال عن هذا ما نصه ( ولعل هذا أنفع النصرين ) ! واختتم حديثه قائلاً : ونصر الله رسوله إذ أخرجه الذين كفروا من هذا النوع .. ولي بعد قوله البديع أن أقول : إن أجمل درس تعلمته من تجربتي مع النزاهة أن يُدرك المرء يقيناً أنه متى أحاطه الله بهذا النوع العجيب من النصر فلن يصله من سفلة الناس وشرارهم أدنى وأقلَّ أذى ، ففي ذلك الزمن البعيد عندما صرف الله عن نبيه كيد ومكر أولئك ، ها نحن نرى في زمننا الحاضر نصر الله لعباده على مَنْ هم على شاكلة أولئك ! إنها السنة الربانية التي لا تتبدل على مرِّ العصور ، فمتى كنتَ على الحق فلتبشر بحراسة الله ومعيته وحفظه ، ومتى كنتَ نزيهاً وحاربتَ الفساد من أجله فلتبشر بألطافه الخفية والتي هي أقوى ترسانة آمنة ستحميك من هجمات ورمي المفسدين ! نعم إنَّ كل قوى الدنيا ستخور أمام قوة وجبروت الله ، فكم وكم من المؤامرات و الدسائس التي أحبطها الله ، فانقلب أهل الحق والنزاهة بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء ! وإنني من واقع التجربة الخاصة أؤكد أنَّ من التزم في عمله بالإخلاص والأمانة ، وواجه بحزمٍ كل من يُغريه بالفساد والخيانة ، فإن النصر المؤزر سيكون حليفه لا محالة !
فمن اليوم وفي هذا العهد الملكي الميمون لا تجعلوا في قلوبكم لأرباب الباطل مخافة ، ولتخدموا وطنكم بصدقٍ ونزاهة ، و عليكم لولاة أمره بالسمع والطاعة , قولوا كلمة الحق بشجاعة ، وحاربوا أهل الفساد بكل بسالة ، والله قدير على إبطال ما سيحبكه خصومكم من مكيدات ، وستقولون لهم حينها والبِشْر يعلو محياك ألا موتوا بغيظكم ، فلن تنالوا أيها المفسدون خيرا !! هذا والسلام ، ودُمتمْ يا شُرفاء في سِلْمٍ وسَلام .

بقلم / د. منير بن علي القرني

الملحق الثقافي السابق في لبنان
والمستشار الحالي بوزارة التعليم لقطاع التعليم العالي

اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock