الخميس, 22 يونيو, 2017 11:24 م
الرئيسية / المقالات / شكراً لبنان.. فقد تعلّمتُ منكِ ، ولا أزال !

شكراً لبنان.. فقد تعلّمتُ منكِ ، ولا أزال !

مُنذُ الأزل وقضايا الحقِّ العادلة تشهد مُواجهاتٍ وصراعاتٍ ساخنة ، وفي كل مشهدٍ من فصولها نظفرُ بدروسٍ عظيمةٍ وحِكَمٍ غالية ، والشخصُ الفَطِنُ الحكيمُ هو الذي لا يُمرِّر الأحداث كما جاءت بلا كيف ، بل يقف عندها بتأمُّل ، ويقرؤها بتمعُّن ؛ ليخرج منها – لنفسه وللآخرين – بجملةٍ من الفوائد المُهمَّة ، والعِبَر المُلهمة.

وقد اقترح عليَّ صديقٌ مُخلصٌ – في زمنٍ قلَّ فيه المخلصون – أن أكتب شيئًا من الدروس النزيهة التي استفدتُّها من قضية لبنان ، عندما تشرَّفتُ آنذاك بالعمل مُلحقًا ثقافيًّا ضمن الطاقم الدبلوماسي السعودي في بيروت ، وفي هذه الأيام بالذات رأيتُ وجاهة ذلك الرأي ، حيث شاهدنا بفخر أن قضايا الفساد المُعلنة والمُثارة قد حسمها ولاة الأمر -أيَّدهم الله- بحزمٍ وصرامة ، لذا فقد حرصتُ من باب المنفعة والمصلحة العامة أن أُسلِّط الضوء على دروسٍ تعلمتها من النزاهة في تجربتي الخاصة ، ولأهمية وعمق تلك المعاني الجميلة التي خرجت بها منها ، فإنه يسعدني أن أُهدي القُرَّاء الكرام سلسلةً متواصلةً من المقالات الهادفة والمستوحاة من واقع الخبرة السابقة ، وسأبدؤها بما تعلَّمتُه من ملحقية لبنان وقضيتها النزيهة.. وهنا أشير يا أكارم إلى أن ذلك الحدث قد وقع قبل عدة سنوات ، ولأن التاريخ يُعيد نفسه ، ومشاهد الحياة تتكرَّر، فكأنني أراه اليوم -لا بالأمس– قد صار !

وفي البدء أقول وبتجرُّدٍ وصدق إن تجربتي في لبنان كانت غاية في الروعة والجمال – هكذا بالفعل كانت حتى لا يتوهم البعض غير- إنها بحقٍّ تجربةٌ فريدةٌ مُذهلةٌ لافتة ، وعلى قدر تفرُّدها المُدهش العجيب كان خوضي لغمارها من أكبر مكاسب الحياة ؛ لأنها أضافت لقاموسي قيمًا جديدةً ومهارات حياتية لم أقف عليها من قبل في الكتب والمحاضرات ومراكز البحث العالمية !

نعم، هذا بالضبط ما كان ، إذ ليس الخبر- يا سادة – كالعيان،ونشراً لمبدأ النزاهة، وحرصاً على النفع العام، فسأكتب اليوم عما تعلَّمتُه من لبنان ، وأرجو أن يُسجِّل الناس والتاريخ ما أكتب.

علَّمتني لبنان أن أقول لكل موظَّفٍ نزيهٍ مرَّ في عمله بحدثٍ مُزلزل ، فثبت على الحق ولم يتزلزل ، هنيئًا لك ثم هنيئًا، فالأولى لأن الله هيّأكَ دون غيرك لتحمُّل هذا الأمر الجسيم ، واختصَّك من بين كل الناس لنيل شرف ذلك الموقف العظيم ، وعلى قدر عظمة الموقف تكون كفاءة وعظمة الشخص ، وقديمًا قالوا: “إن العظائم كفؤها العظماءُ” ! ثم فلتهنأ الثانية على ثباتك على القيم والمبادئ الفاضلة ، متجاوزًا كل الصعوبات والضغوطات البائسة ، إنه الثبات المشرِّف الذي سيجعل منك شخصيةً استثنائيةً فذَّة ، فالتاريخ سيسجِّل بمداد الذهب تضحيَّتك ، والناس ستحمد بكل الفخر شجاعتك ، وستجعلك ذاكرة الزمن ضمن تلك الأسماء البطولية اللامعة التي ضحَّت من أجل الله ، فرفع ذكرها وأعلاها الله .

علَّمتني لبنان أن الممثليات السعودية في الخارج تعمل وفق سياسةٍ نزيهةٍ لا تعرف الغش والخداع ، ولا تقبل التدليس والمُراوغة ، ملتزمة في ذلك بتوجيهات مليكها الحازم الهمام ، ونائبيه الفذَّين الكرام ، وقد رأيتُ في هذا الشأن من سفارتنا السعودية في لبنان ما يبعث على الاعتزاز، ويستوجب الامتنان ، شاهدتُ بإعجاب المصداقية في العمل ، والشفافية في التعامل ، وحيث كنت مسؤولًا فيها عن الجانب التعليمي والثقافي وجب عليَّ أن ألتزم تلك السياسة النزيهة نفسها ، وأن أرفض تمرير أيَّ تعاملٍ فاسدٍ قد يخدش شرف المهنة ، أو يُسيء لسمعة الوطن الغالي ، أعلنتها على الملأ بوضوح أنه لا مجال للمساومة والمُزايدة ، ودخلتُ من أجل الحق أعتى مواجهة ، وكم كان لله عليَّ – في ذلك الحين – من فضل، حيث قد شدَّ بالشرفاء أزري ، ولم يجعلني في الميدان وحدي ، بيد أنك لو ظفرتَ بمعيَّة الله وعونه فلن تحتاج أبدًا إلى مؤازرة عباده .. وهنا يجب الشكر لجهة جديرة بالشكر، إنها بفخر (وزارة الخارجية)، و التي نراها دائمًا في صفِّ الحق وأهله ، من غير مجاملة للباطل أو مُداهنة لحزبه !

علَّمتني لبنان أن خدمة الدارسين في الخارج مهمةٌ نبيلةٌ، وشرفٌ بالغٌ، فمنذ أن كُلِّفتُ بالعمل مُلحقًا ثقافيًّا في لبنان بذلتُ أقصى ما في وسعي لدعم تلك النُّخبة المُميَّزة من طلابنا الطموحين الأكفاء ، فكان من كرم الله عليَّ أن تكوَّنتْ بيننا علاقة استثنائية راقية ، ولتسألوا أولئك المبتعثين عن جمالها وروعتها ! ولكم أذهلوني غاية الذهول عندما رأيتهم – مع بدء ذلك الحدث – يتواردون على مواقع التواصل الاجتماعي ؛ ليسطِّروا عن مُلحقهم الثقافي ثناءات وإشادات ، ويبعثوا من خلالها نداءات وتأييدات ، فملؤوا بحديثهم الدنيا ، واخترقوا بكتاباتهم كل الآفاق ! ولقد أشركوا معهم زملاءهم المُبتعثين حول العالم ، فتضامنوا جميعًا في المواقف والمشاعر! إنني أعترف هنا – ليس تواضعًا وإنما حقا – بأنَّ ما ذكروه هو أكبر بكثير مما أستحق ، غير أن نبلهم و أخلاقهم العالية هي ما جعلتهم يُحيطون ملحقهم بمثل هذه المحبَّة النَّادرة !

هكذا هم الطلاب دائمًا .. قلوبٌ نقيةٌ ، ونفوسٌ أبيَّةٌ ، وأفئدةٌ من المطامع خلية ، لذا فإن شجاعتهم في قول الحق قلَّما يُوجد لها بين الناس ندّ ! فشكرًا يا طلابي شكرًا ، ليس مني فحسب ، بل ومن التاريخ الذي حفظ لكم ذلك الموقف العصامي المُبهر!

هذا ، وقد علَّمتني التجربة أن في العالم أقوامًا يتجاوزون حدود النزاهة ، ويؤصِّلون لقضايا الفساد، يستغلُّون نفوذهم لتمرير قضايا تتعارض مع الدين والقيم وثوابت الوطن ، فتأتي حكمة الله البالغة بأن يُقيِّض من المُصلحين من يقف بحزمٍ في وجوه تلك العُصبة ، متحملًا في سبيل الحق ما يأتيه من دسائس ومكر، ومهما علت قوى الباطل وطغت ؛ ففي نهاية المطاف سينصر الله عبداً نصره ، وأولئك النفر سيُهزمون لا محالة، وسيولون- حينها- الدُّبُر !

وختامًا، علَّمتني لبنان أن أشكر لبنان.. أشكر مسؤوليه ومثقَّفيه الذين غمروني بالإكرام ، وأشكر أرضه التي قدَّمتني بإيجابية لوسائل الإعلام والرأي العام ..
أشكرها كثيرًا ، فقد علَّمتني كثيرًا من دروس التضحية والإباء ، وفي القادم – ضمن هذه السلسلة – إتمامٌ لما ألهمتني إيَّاه تلك التجربة من معانٍ عميقةٍ وتجليات .
وبقي أن أقول ، إن من أكبر ما حفَّزني على الكتابة في شأن النَّزاهة هو ما صرَّح به مؤخرًا سمو ولي ولي العهد – أيَّده الله – حيث تحدَّث من القلب فأصغت له قلوبُ الشَّعب ، إنه تصريح استثنائي غمرنا جميعا بالسرور والاستبشار حيث قال سموه بعزمٍ وحزم: “إنه لن ينجوَ أيُّ شخصٍ دخل في قضية فساد، سواءً كان وزيرًا أو أيًّا كان”.. شكرًا محمد بن سلمان ، فقد أصبت كبد الحقيقة ، لأن مثل هذا التصريح القوي الصارم هو في الواقع أصدق مدلولٍ لكلمة (نزاهة) ، متى ما أردنا – بالفعل – أن تُرفرف على بلادنا رايةُ النَّزاهة.

نحن على يقينٍ تامٍّ بأن هذا العهد الملكي الحازم لن يكون فيه أحدٌ أكبر وأعلى من النِّظام ، ولن يكون المسؤول – أيًّا كان – بمنأى عن المُحاسبة متى تجاوز في السلطة أو أساء ، ولابُدَّ لنا جميعًا أن نكون عونًا لقيادتنا الرشيدة ضدّ من يعمل لمصالحه الشخصية ، فيعبث بمقدَّرات الوطن ، ويسعى في أرضنا بالفساد ! ولقد قُلناها بالأمس ، ويجب اليوم أن نقول لكلِّ مُفسِدٍ وعابثٍ (لا) ، نقولها بصوتٍ واحد ، مهما كلَّفنا ذلك (اللاء) من لأواء.

إنَّ الشخص النَّزيه هو الجدير بالتقدير والحفاوة ، أمَّا الفاسد فلا مكان له بيننا ولا كرامة ، إنه كالزَّبَدِ سيمُجُّه الشُّرفاء بعيدًا ، وسيذهب – حتماً – جُفاءً ، وأمَّا ماينفع الناس فهو وحده الذي سيمكث في الأرض !

ودمت ياوطني شامخًا بنزاهتك وعزيزًا ..

د. منير بن علي القرني
الملحق الثقافي السابق في لبنان
والمستشار الحالي بوزارة التعليم لقطاع التعليم العالي

اترك رد