المقالات

الصداقة.. الخصومة.. العداء.. المصلحة

كتبه : طلال صالح بنان

العلاقات بين الدول، تشبه إلى حدٍ كبيرٍ، العلاقات بين الأشخاص، عدا أنها سياسية، في الأساس. العلاقات بين الدول تتمحور، أساساً، في ظاهرة المنافسة، التي قد تصل حدتها إلى مستوى الصراع، على موارد النظام الإقليمي والدولي، الذي هو خارج سيادة الدول، وتحكمه قوانين وأنظمة، ليست بتلك القوة الإلزامية والضبطية، التي تحكم الدول.

بعبارة أخرى: يتمحور سلوك الدول، في علاقتها، بعضها ببعض، إما بتغليب حركة الصراع.. أو تغليب حكمة التعاون. في الحالتين: تفرض مصالح الدولة تحديد المسار، الذي تختاره، اعتماداً على مصادر وموارد القوة الذاتية، وكذا من مصادر القوة الخارجية، كقيمة مضافة.

سواء اختارت الدولة نهج الصراع أم جادة التعاون، علاقاتها الخارجية تكون مدفوعة بغريزة أنانية انتهازية. من هنا: لا يجب النظر إلى سلوك الدولة الخارجي، من منظور أخلاقي قِيَمِي، بل من منظور مصلحي مادي، يقوم أساساً على حساب دقيق للأرباح، مقابل ما يقتضي ذلك من تكلفة.

لذا: فإن مفاهيم مثل: الصداقة، وأحياناً «الأخوة» بين «الأشقاء»، وكذا مفهوم العداء أو الخصومة، حتى مفهوم المصلحة، نفسه، يجب ألا تؤخذ على أنها قيم أخلاقية مجردة، بقدر ما هي معايير مادية ملموسة، تحكمها معادلات رياضية دقيقة، يمكن قياسها كمياً.

بالتالي: عند تقييم السياسية الخارجية لدولة ما، علينا أن ننطلق في فهم سلوكها وتوجهها ناحية قضية ما، لا على ما تطلقه وسائل إعلامها قد تكون ضرورية لاستخدامها كغطاء لسلوكٍ غير ودي تجاه طرف أو أطراف دولية أخرى. على سبيل المثال: بعض الدول تدعي أنها محبة للسلام.. وتميل إلى حل خلافاتها مع الدول الأخرى بالوسائل السلمية.. ولا تُكِنُ أي ضغينة أو مرارة تجاه الدول والشعوب الأخرى.. وتنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول… إلخ. حتى الدول العظمى تحتاج لمثل هذا الغطاء الأخلاقي، لتمرير سياستها «العدائية»، التي قد تستخدم فيها أعتى أسلحتها، لخدمة ما تراه رعاية مصالحها الخارجية، ودعماً لأمنها.

باختصار: تقييم السياسة الخارجية، لأي طرفٍ دوليٍ، لا يجب النظر إليه من منظورٍ أخلاقيٍ سطحي، بل من خلال ما تتبعه الدولة من سلوك فعلي، على مسرح السياسة الإقليمية والدولية. ليست هناك مواقف جامدة لقضايا إقليمية ودولية، مهما كانت أهمية خلفيتها الأخلاقية والقِيَمِية. العبرة دائماً تكون بتتبع سلوك الدولة في حركة سياستها الخارجية، وتفسير ذلك السلوك بمعايير كمية يمكن قياسها، تأخذ في عين الاعتبار رؤية الدولة لمصالحها.. وتقدير تقييمها لأمنها القومي.. وحساب ما لديها من محددات القوة المادية.. وقياس مدى استقرارها الداخلي وتمكن نخبها السياسية.. ومقدار ما يلقاه موقفها تجاه قضايا سياستها الخارجية من تأييد شعبي، ودعم خارجي.

السياسة، بشكلٍ عام، حركة سلوكية متغيرة تحكمها محددات مادية يمكن قياسها كمياً، قد تكون مدفوعةً بمعايير أخلاقية قِيَمِية، يصعب حسابها رياضياً. كل شيء في السياسة متغير، حتى المصلحة نفسها، قد يتغير مفهومها، بتغير توجهات النخب الحاكمة. ليس، في السياسة، بشكل عام: صداقة دائمة.. ولا عداوة دائمة.. ولا خصومة دائمة… ولا حتى مصلحة دائمة.

نقلا عن صحيفة عكاظ.

اظهر المزيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق